كلمة رئيس الوزراء أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة: 22 سبتمبر 2026
نص الكلمة التي ألقاها رئيس الوزراء آندي بيرنم أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الليلة الماضية.
السيدة الرئيس، أصحاب السعادة، السيدات والسادة،
بصفتي رئيس الوزراء البريطاني الجديد، جئت هنا اليوم لأتحدث عن كيفية ممارسة بريطانيا لدور قيادي في عالم متغير خلال العقد المقبل، مستفيدة من الدروس المستخلصة من العقد المنصرم.
لقد مرت الآن عشر سنوات منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
ولقد عايشت بلادي الاختلالات التي نجمت عن ذلك الحدث.
وقد منحنا ذلك منظوراً فريداً أود مشاركته معكم اليوم.
ها هي بريطانيا تعود لدورها القيادي.
ونحن نعمل على استعادة استقرارنا، وبناء اقتصاد أكثر نشاطا - كأمة تتطلع إلى التجارة مع العالم وإلى العمل المشترك للتصدي للتحديات التي تواجهنا جميعا.
لكننا تعلمنا أيضاً ضرورة التكيف لمواجهة تحديات هذا العصر.
فعلينا إعادة توازن القوى في بلادنا وجعل السلطة أكثر قربا من الشعب.
كما علينا بذل المزيد من الجهد للتصدي لقوى الانقسام وعدم الاستقرار التي تهددنا.
ليس فقط عن طريق القوة الصلبة، بل أيضا بالسبل الناعمة والبطيئة التي تنشر الخوف واليأس.
علينا بذل المزيد لمساعدة أفراد المجتمع في مواجهة تكاليف المعيشة اليومية، واغتنام الفرص التي تمنحهم الأمل للمستقبل.
كما يتعين علينا تسخير الإمكانات الهائلة للتكنولوجيا لتحسين حياة الأفراد.
هذا ما أريد أن أحدثكم عنه هذا المساء: كيف يمكن للعالم تجاوز اضطرابات الحاضر، والمضي قدماً نحو واقع أفضل في العقد المقبل.
إن التغلب على قوى الانقسام وعدم الاستقرار يبدأ بالأمن القومي.
لذا، سنواصل الاستثمار في قدراتنا الدفاعية - والوفاء بالتزاماتنا تجاه حلف الناتو، وتعزيز القدرات الأوروبية.
وسنمضي قدماً بعزم لا يلين في بناء قوتنا الصلبة وقدراتنا الرادعة.
لكننا لن ننجر إلى لعبة روسيا القائمة على تبادل التصريحات التصعيدية.
فعلى عكس روسيا، نحن لا نسعى للمواجهة.
بدلا عن ذلك، سنكون مستعدين لكن دون خوف. رؤيتنا واضحة وهادئة. وسندافع عن شعبنا وحلفائنا بثبات لا يتزعزع.
إن الصمود الحقيقي يعتمد على هذه القوة العسكرية.
لكن السنوات العشر الماضية علمتنا أن الأمر أعمق من ذلك.
الأمر يتعلق بتماسك النسيج الاجتماعي الذي يربطنا ببعضنا البعض.
فلا وجود لأمن قومي دون مجتمع قوي ومتلاحم.
تلك هي نقطة الانطلاق لكل ما نعتز به وما نصبو إلى تحقيقه.
لكن الحقيقة هي أن هذا المجتمع يتعرض لهجوم مستمر.
لقد شهدنا في السنوات الأخيرة هجمات واسعة النطاق تُشن من قبل جهات معادية تستهدف البيئة المعلوماتية في المملكة المتحدة ولدى العديد من حلفائنا.
حيث استخدمت الوكالات الروسية كل الوسائل المتاحة لها لنشر الأكاذيب والمعلومات المضللة، ولاستغلال مخاوف الناس.
فقد استخدموا البوتات ومواقع إلكترونية زائفة.
ولفّقوا مقالات صحفية.
كما عمدوا إلى تزوير الهوية المؤسساتية لـما مجموعه 28 مؤسسة بريطانية - بما فيها عدد من الجامعات وهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).
كما عملوا على تضخيم السرديات التي يروج لها اليمين المتطرف.
ولدينا أدلة تشير إلى محاولاتهم التدخل في الانتخابات العامة في سنة 2019.
ونعلم أيضاً أنهم حاولوا تأجيج التوترات والاضطرابات في أعقاب أحداث مروعة.
إن فكرة استغلال البعض لمثل هذه الأمور لتحقيق مكاسب خاصة هي فكرة مقيتة، لكن هذا ما يفعلونه.
حيث ينفق الكرملين نحو 1.3 مليار جنيه إسترليني سنويا على التلاعب بالمعلومات.
نحن نتحدث هنا عن حملة خبيثة تتسلل إلى منازل المواطنين، وتحرّف مشاعرهم تجاه بلدهم ومجتمعهم - وتعمد لخلق صورة قاتمة عن تراجع الأوضاع، وتؤجج الانقسام، وتزرع اليأس.
وفضلاً عن ذلك، شهدنا اعتداءات إلكترونية استهدفت شركاتنا ومؤسساتنا.
نحن ندرك أن الذكاء الاصطناعي سيفاقم هذا التهديد بشكل كبير.
وقد تعاملنا مع هذا الأمر بحذر وتردد لفترة طويلة جداً.
فعلى مدار العقد الماضي، أفسحنا المجال كثيرا لأولئك الذين يسعون لترويج سردية سلبية وهدّامة عن الحياة في بريطانيا، وهي سردية لا تمت للواقع بصلة.
لكننا لن نسمح بذلك بعد الآن.
سوف سنواجه العقد الجديد بأسلوب مختلف - وبيقظة كاملة.
سنكون أكثر فخراً واعتزازاً بالدفاع عن قيمنا وسيادة القانون.
وسنساعد مواطنينا لتعزيز قدرتهم على الصمود. ففي مواجهة حرب المعلومات هذه، يبدأ الأمن من كل منزل.
إذا كان الفرد يعاني من أعباء تكاليف المعيشة ولا تشهد حياته تحسناً، أو إذا كان شاباً لا يعمل ولا يدرس ولا يتلقى تدريباً، فسيكون أكثر عرضة للتأثر بهذا النوع من الحملات.
لذا، يتمثل جزء من التحدي في النهوض بأبناء شعبنا وتوفير الفرص التي يحتاجون إليها.
فعندما تتسع الفوارق بشكل مفرط، تصبح مجتمعاتنا أكثر عرضة للمخاطر.
لهذا، سنعمل على جعل تكاليف المعيشة في متناول الجميع.
وسيشكل هذا الأمر ركيزة أساسية في خطة عشرية جديدة لبريطانيا نعتزم طرحها في وقت لاحق من هذا العام.
كما سنرسخ الآليات اللازمة للتصدي لهذا المد المدمر.
واليوم، كلّفت قادة أجهزتنا الأمنية بالبدء في العمل على إنشاء مركز وطني جديد للدفاع المعلوماتي - بهدف رصد هذه الأنواع من الاعتداءات المعلوماتية التي تشنها بعض الدول، وتحديد مصادرها، وإحباطها. وذلك دعماً لديمقراطيتنا ودفاعا عنها.
وأدرك أن هذا تحدٍ مشترك.
لذا، سنوظف خبرتنا في المملكة المتحدة، بالاستفادة من الصدمة التي مررنا بها فعليا، من أجل مساعدة دول أخرى.
فلقد قدمنا الدعم بالفعل لمولدوفا لحماية انتخاباتها من التدخل الروسي.
ومع اقتراب موعد إجراء المزيد من الانتخابات في أنحاء أوروبا، تواجه دول عديدة مثل هذه المشاكل، وبعضها يتعرض لها للمرة الأولى.
لذا، نحن مستعدون لمشاركة الآخرين خبرتنا بآليات عمل هذه الجهات الفاعلة وكيفية التصدي لها - إذ يُعد ذلك أمرا حيويا لحماية أمننا الجماعي وقدرتنا على الصمود.
وللتغلب على الانقسام وعدم الاستقرار، يتعين علينا أيضا إيجاد سبل جديدة لجعل الدول توحد جهودها.
نحن نعلم أننا نكون في أقوى حالاتنا عندما نتحد مع الآخرين - عندما نتواصل عبر الحدود الجغرافية للعمل معهم على حل مشاكل مشتركة.
وفيما أقف هنا اليوم، أتذكر التقدم الإنساني الهائل الذي اضطلعت به هذه المنظمة - مثل القضاء على مرض الجدري، أو صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
تلك هي روح الأمل والوعد التي دفعت بريطانيا لاستضافة الاجتماع الأول للجمعية العامة في لندن، ودفعت العالم لإنشاء هذه المؤسسة: الأمم المتحدة… أممنا المتحدة.
هذا هو مستوى الطموح الذي نحتاجه الآن لبعث روح جديدة في الأمم المتحدة بما يتناسب مع عصرنا:
لمعالجة تحديات مثل تحسين الصحة العالمية، والوقاية من الأوبئة مستقبلا.
ولإنهاء الحروب التي تسبب قدرا هائلا من المعاناة وعدم الاستقرار، بما في ذلك الحرب المروعة في السودان.
ولمواجهة تغير المناخ.
لقد باتت أزمة المناخ تشكل اليوم تهديداً للأمن القومي للدول في جميع أنحاء العالم - وهو ما أثبتته بما لا يدع مجالا للشك أحداث هذا الصيف مثل موجات الحر الشديد، وحرائق الغابات، والفيضانات.
وستواصل بريطانيا دورها القيادي بالتعاون مع الآخرين لمواجهة هذا التهديد:
لحماية أطفالنا وأحفادنا.
ولحماية عالم الطبيعة.
وكذلك لاغتنام فرص العمل والنمو وإعادة تنشيط قطاعها الصناعي، وهي فرص يوفرها التحول نحو الطاقة النظيفة.
لذا، علينا رفع سقف طموحاتنا.
وأنا على يقين أن المملكة المتحدة تتمتع بمكانة فريدة كوسيط نزيه للمساعدة في المضي قُدما بهذه الجهود.
فنحن أقرب حلفاء أمريكا.
وتربطنا روابط عميقة مع أصدقائنا في الاتحاد الأوروبي، وسنعمل على جعلها أكثر عمقا.
كما نعمل مع الصين، ومع قوى ناشئة مثل الهند والبرازيل.
ونحن عضو في مجلس الأمن، وفي رابطة الكومنولث، وفي الاتفاق الشامل والتدريجي للشراكة عبر المحيط الهادئ.
وفي هذا العالم المنقسم، لدينا القدرة على جمع الشعوب معاً، وهذا ما سنفعله.
سوف نضطلع بهذا الدور.
وسنبدأ بواحدة من أهم التحديات والفرص في عصرنا - تقنيات الذكاء الاصطناعي المتطورة (Frontier AI).
يجمع الذكاء الاصطناعي العديد من القضايا الأكثر إلحاحاً التي تواجهنا.
فهو يساهم فعليا في تسريع تشخيص السرطان في المملكة المتحدة. لكن لديه القدرة على تحقيق ما هو أبعد من ذلك - ليس فقط المساعدة في الوقاية من السرطان وعلاجه، بل المساعدة في الشفاء منه.
كما سيكون الذكاء الاصطناعي مدخلا إلى النمو الاقتصادي.
وسبيلا لإحداث نقلة نوعية في التعليم.
وأداة حيوية للحفاظ على سلامتنا.
وإنني أعلن اليوم أننا نعمل على تطوير شراكة دفاعية جديدة في مجال الذكاء الاصطناعي مع الولايات المتحدة لحماية بنيتنا التحتية الوطنية الحساسة.
لكننا ندرك أيضاً أن الذكاء الاصطناعي سيكون مصدرا لاختلالات في أساليب حياتنا وعملنا - وسببا في مضاعفة المخاطر.
فقد سمعنا جميعاً التحذيرات، وعلينا أن نأخذها على محمل الجد. وأنا أدرك تماماً مدى قلق أفراد المجتمع.
لذا، علينا أن نكون على قدر المسؤولية في هذه المرحلة.
إن القرارات الجوهرية المتعلقة بهذه التكنولوجيا بالغة الأهمية لدرجة لا يمكننا تركها للصدفة.
لذا يجب أن تتخذها حكومات مُنتخبة خدمة للعاملين من أبناء الشعب.
وعلينا توفير الدعم اللازم للأفراد خلال هذا التحول، لضمان أن يصبح الذكاء الاصطناعي محركا لإعادة تنشيط القطاع الصناعي وخلق الفرص أيضاً.
ثمة درس يمكن استخلاصه من الثورة الصناعية الأولى التي انطلقت في شمال إنجلترا قبل قرنين من الزمن.
لقد شهد ذلك العصر تقدما تكنولوجيا هائلا.
لكن بالنسبة للعمال، عرضتهم تلك التحولات لمعاناة كبيرة وللاستغلال. وقد ازدادت الأوضاع سوءا قبل أن تتحسن.
لذا، يتعين علينا هذه المرة أن نحسن التعامل مع الأمر.
وأنا على ثقة بأننا قادرون تماما على إنجاز هذه المهمة.
حيث تزخر المملكة المتحدة بأفضل المواهب في مجالي التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على مستوى العالم.
وفيما يتعلق بالوقاية من المخاطر، لدينا معهد أمن الذكاء الاصطناعي الرائد عالميا - الذي يعمل بتعاون وثيق مع الولايات المتحدة والمختبرات الرائدة في مجال سلامة الذكاء الاصطناعي.
لكننا بحاجة لفعل المزيد.
وبناء على الاجتماع الذي عقده جلالة الملك تشارلز الأسبوع الماضي، يمكنني الإعلان اليوم أنني سأجعل الذكاء الاصطناعي في صلب رئاسة المملكة المتحدة لمجموعة العشرين في العام المقبل.
إنني أعود بالذاكرة لكيفية تعاملنا مع الأزمة المالية عام 2008.
حينها تحركنا بسرعة، سواء في إطار مجموعة العشرين أو ضمن مجموعات أصغر، لتقديم استجابة عاجلة وعملية.
وتكاتفنا للاتفاق على مبادئ محددة، طبقها الجميع محليا بما يتناسب مع الظروف الخاصة بكل منهم. وقد أفلحت تلك الجهود.
هذا هو بالضبط نوع المقاربة التي نحتاجها في الوقت الراهن.
لذا، سنجمع المعنيين والمختصين لمناقشة القضايا الجوهرية: تسخير إمكانات الذكاء الاصطناعي لخدمة الصالح العام، والتعامل مع المخاطر المرتبطة به.
كما سنعمل على التوافق حول مجموعة موحدة من المبادئ والمعايير العالمية، لضمان مستويات شفافية وتوفر الجهود التي نحتاجها لتعزيز جاهزيتنا، ولضمان أن يكون تطوير الذكاء الاصطناعي آمنا.
وسنجمع مبادرات طيبة طرحها آخرون - مثل تلك التي اقترحتها النرويج هذا الأسبوع.
ومثلما قال جلالة الملك، فإن المهمة الماثلة أمامنا “لا تقتصر على تطوير التكنولوجيا فحسب، بل تهدف إلى ضمان بقائها راسخة في خدمة البشرية”.
وأود أن أطمئن أفراد الشعب البريطاني بأننا سنفعل في نهاية المطاف كل ما يلزم لحمايتهم - بما في ذلك سن قوانين جديدة إذا اقتضت الضرورة.
وعليهم أن يدركوا أننا سنحمي مصالحهم – وهذا ما سنفعله.
لكن هذا وحده لا يكفي، أليس كذلك؟
في هذا العصر الخطير والمضطرب، بات تمكين الناس من بناء قدرتهم على الصمود والاعتماد على أنفسهم بشكل أكبر أكثر أهمية من أي وقت مضى.
وأن نوفر لهم الوسيلة التي تتيح لهم الدفاع عما يؤمنون به.
إنني أعمل على إعادة التوازن في توزيع السلطة بين مناطق المملكة المتحدة.
وفي إطار ذلك، أنشأتُ مكتبا ثانيا لرئاسة الوزراء في مانشستر، نطلق عليه اسم “مكتب داوننغ ستريت الشمالي”.
وخارج ذلك المكتب ينتصب تمثال لأبراهام لينكولن.
إنه يجسد الرابطة الشخصية التي نشأت بين لينكولن ومدينة مانشستر، والروابط التي تجمع بين بلدينا. وهي روابط وصفها هو في رسالة وجهها إلى العمال في المدينة بأنها “أبدية”.
لم يكن ذلك نابعاً من أي دعم عسكري أو مادي.
كما لم يكن هناك أي مقابل لذلك.
بل كان السبب هو أن عمال المصانع البسطاء في مانشستر اتخذوا موقفا مبدئيا.
فخلال الحرب الأهلية الأمريكية، ورغم المصاعب التي واجهتهم بسببها، رفضوا أن يلمسوا القطن الخام الذي استُخدم العبيد في حصاده.
في عام 1862، استخدم أفراد لا يملكون سوى القليل من النفوذ قوتهم المحدودة لمساعدة آخرين لا يملكون أي نفوذ على الجانب الآخر من العالم.
إن أفضل أنواع التغيير هو ذلك النوع، وهو التغيير الذي ينبع من القاعدة الشعبية ويقوده أفراد الشعب بأنفسهم.
ومهما كانت الصورة المشوهة التي تقدمها وسائل التواصل الاجتماعي اليوم، يظل العالم زاخرا بأفراد صالحين وشرفاء مستعدين للدفاع عن الحق.
وأنا أرى هذا الجانب المضيء يتجلى بوضوح طوال الوقت.
فلا شيء يوحد الشعب البريطاني على اختلاف أعمار أفراده وأصولهم العرقية وطبقاتهم الاجتماعية أكثر من بغضهم للظلم - أي إساءة استخدام السلطة ضد المستضعفين.
سنقف دوما إلى جانب المظلوم في وجه المتنمر.
ولهذا السبب نقف متحدين بصلابة خلف أوكرانيا.
واسمحوا لي أن أقول إننا نحيي الشعب الأوكراني.
إنه يُظهر مستويات عميقة من الصمود والشجاعة التي تُلهم العالم بأسره.
لقد زرت كييف الشهر الماضي، ومنحتني تلك الزيارة لمحة عن الحياة في ظل العدوان الروسي.
ذهبتُ إلى سوقٍ تعج بالحركة - مشهدٌ عاديٌ كأي مدينة أوروبية - حيث كان التجار يشيدون بمنتجاتهم، ويضعون في يدي ثمار الخوخ والبرقوق القادمة من أوديسا.
لكن أكشاكهم كانت منصوبة في الشارع لأن مبنى السوق تعرض للدمار.
وفي الخلفية، كانت هناك سيارات متفحمة.
وخلفنا مباشرة، كان هناك مبنى تعرض لإصابة مباشرة قبل بضعة أسابيع فقط.
التقيت بأشخاص يستقلون المترو عائدين إلى منازلهم من العمل - أناسٌ يحاولون فقط مواصلة حياتهم.
لكن في الليل، تتحول محطات المترو ذاتها إلى ملاجئ لآلاف الأشخاص - من كبار السن إلى الأطفال الصغار، وبعضهم لم يعرف في حياته سوى الحرب.
حدثني الناس عن ظروف البرد القارس داخل تلك المحطات في الشتاء الماضي، حين انخفضت درجات الحرارة في الخارج إلى ما دون 20 درجة مئوية تحت الصفر.
وفي الوقت نفسه، كانت روسيا تستهدف البنية التحتية للطاقة، محاولة مضاعفة معاناتهم.
لا يمكننا السماح لهم بتكرار ذلك هذا الشتاء.
لذا، نحن نعمل على مساعدة أوكرانيا في حماية أجوائها والسكان المدنيين.
ونحن نقود الجهود الرامية إلى رفع التكلفة التي تتكبدها روسيا جراء استمرار هذه الحرب العبثية وغير القانونية.
إن مشروع قانون غراهام، الذي وقّعه الرئيس ترامب الأسبوع الماضي، سيُحدث فرقاً هائلاً في هذا المسعى.
كما سندعم أوكرانيا في إصلاح وحماية محطات التدفئة وتوليد الطاقة التي ستعتمد عليها كييف هذا الشتاء.
من الصواب أن نقدم هذا الدعم - ولكن علينا أيضا أن ندين روسيا هذه المرة وفي كل مرة.
يدرك الجميع في هذه القاعة أن استهداف البنية التحتية المدنية محظور صراحةً بموجب القانون الدولي.
ومع ذلك، نقف هنا في الأمم المتحدة لنعلن عن تمويل للتخفيف من آثار جرائم الحرب هذه - التي نتوقع، بكل يقين، أن يرتكبها مجدداً عضو دائم في مجلس الأمن.
لا بد أن ينتهي ذلك.
بإمكان روسيا اختيار مسار مختلف غدا: كأن تقبل وقف إطلاق النار، والجلوس إلى طاولة المفاوضات.
وإنني أحثها على فعل هذا.
ولكن، إلى حين ذلك، سنقف إلى جانب أوكرانيا - بقوة أكبر من أي وقت مضى، ومهما طال الزمن.
يتعلق الأمر هنا بإعلاء مبادئ ميثاق الأمم المتحدة وسيادة القانون.
وسوف نقف بحزم في وجه أية تهديدات أو تحديات تواجه سيادة القانون.
ولن يقتصر ذلك على التهديدات القادمة من روسيا فحسب، بل سيشمل أيضا تهديدات من أطراف أخرى، بما في ذلك الحالات التي تُنتهك فيها حقوق الأقاليم البريطانية في البقاء تحت السيادة البريطانية - مثل جزر فوكلاند.
ولهذا السبب أيضا نعمل مع فرنسا وشركاء آخرين لدعم حرية الملاحة في منطقة الخليج.
ولذلك أيضاً كان تحركي فيما يتعلق بالشرق الأوسط.
فبعد ثمانية أسابيع فقط منذ أن توليت منصب رئيس الوزراء، وبالتعاون مع وزير الخارجية إد ميليباند، عملت لإعادة صياغة شاملة لموقفنا. ونجحنا في تشكيل تحالف دولي من الدول التي انضمت إلينا في هذا المسعى.
لقد كان الهجوم الإرهابي الذي شُنّ على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023 مروعاً للغاية، وقد أدنته بأقوى العبارات الممكنة.
ونحن ما زلنا ندين حركة حماس، ونقف إلى جانب إسرائيل في مواجهة التهديدات المستمرة - بما في ذلك تلك الصادرة عن إيران، التي تستهدف إسرائيل والشعب اليهودي في جميع أنحاء العالم.
لكن هذا لا يبرر أفعال الحكومة الإسرائيلية في غزة أو الضفة الغربية.
فقد لقي عدد كبير جداً من الناس حتفهم، بمن فيهم الكثير من الأطفال.
وكمية المساعدات التي تدخل ضئيلة للغاية.
وقد استمر هذا الوضع لفترة طالت جداً.
لن نقف مكتوفي الأيدي بينما تتفاقم المعاناة المروعة، فيما أن فرص حل الدولتين – الذي هو أفضل أمل للسلام والاستقرار لكلا الشعبين – تتعرض للتقويض.
في الشهر الماضي، طرحت إسرائيل مناقصات لمشروع E1 الاستيطاني الضخم، وهو مشروع من شأنه أن يشطر الضفة الغربية، ويهدد بجعل قيام دولة فلسطينية قابلة للبقاء أمرا بعيد المنال.
لا يمكن السماح بحدوث ذلك.
لذا، فقد اتخذنا إجراءات عملية:
من خلال حظر التجارة في المنتجات القادمة من المستوطنات غير القانونية.
والاعتراف بأن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني.
وفرض عقوبات على الضالعين في بناء المستوطنات غير القانونية.
نريد أن نرى أخيرا نهاية للمعاناة والموت.
ونريد أن نرى الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني يعيشان جنبا إلى جنب في سلام وأمن.
وسنبذل قصارى جهدنا للحفاظ على هذه الإمكانية قائمة.
ولننظر إلى الواقع، نحن نعيش في عصر يتسم بتراجع الثقة بالعمل السياسي.
إذا واصلنا الحديث عن حل الدولتين دون أن ندعم أقوالنا بأفعال، فإن تلك الثقة ستتآكل أكثر فأكثر - وسيسعى أعداؤنا لاستغلال حالة النفور الناجمة عن ذلك.
لن نسمح بحدوث ذلك.
لذا، أصحاب السعادة، السيدات والسادة،
هذا هو نوع الريادة التي تسعى بريطانيا هنا لتقديمها.
علينا أن نجدد التزامنا المشترك بجعل العقد المقبل أفضل من العقد الماضي.
ورسالتي إلى شركائنا في جميع أنحاء العالم هي:
يمكنكم الاعتماد علينا.
اعتمدوا علينا في الدفاع عن القيم البريطانية الراسخة المتمثلة في الإنصاف والعدالة - وهي قيمنا المشتركة - وفي الدفاع عن ميثاق الأمم المتحدة.
اعتمدوا علينا في مكافحة العنصرية والتمييز وإساءة استغلال السلطة أينما وجدناها.
تماما كما فعل عمال القطن في مانشستر خلال القرن التاسع عشر، وكما فعلت بلادنا في معركتها ضد الفاشية في القرن العشرين.
عوّلوا علينا لجمع الشعوب معاً.
ليس لتسليط الضوء على مشكلات الماضي، بل للعمل من أجل حلول جديدة لمشاكل القرن الحادي والعشرين.
عوّلوا علينا لمواجهة الخوف والانقسام بالوحدة والأمل.
شكراً جزيلاً لكم.