كلمة وزيرة الخارجية بشأن الوضع في الشرق الأوسط: كلمة المملكة المتحدة في مجلس الأمن الدولي
كلمة إيفيت كوبر، وزيرة الخارجية البريطانية، في اجتماع مجلس الأمن الدولي بشأن الشرق الأوسط
أيها الزملاء، اسمحوا لي أن أبدأ بالترحيب بزملائي الوزراء المشاركين في جلسة اليوم، وأن أتقدم بالشكر لنائبة الأمين العام دي كارلو على إحاطتها، وكذلك هبة قصاص ونداف تمير على مداخلاتهما القوية التي تُذكّرنا بالفرصة المتاحة أمامنا، فرصة لإنهاء دوامة العنف والمعاناة، وبناء مستقبل أفضل، خالٍ من الإرهاب، خالٍ من الاحتلال، وتحقيق سلام وأمن دائميْن في المنطقة، والتوحد بروح الأمم المتحدة.
طوال أكثر من سنتيْن، المعاناة لا يمكن تخيلها. عائلات تتشتت. مجتمعات دُمّرت أو نزحت.
صدمة ستردد أصداؤها لأجيال قادمة.
ألم الهجمات الإرهابية المروّعة التي شنّتها حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر، ومعاناة الرهائن، والدمار الذي خلفته الحرب اللاحقة في غزة، حيث قُتل أكثر من 70,000 فلسطيني. هذا الشعور سيظل حاضراً على الدوام.
وبفضل قيادة الولايات المتحدة ومصر وقطر وتركيا – إلى جانب جهود دبلوماسية مكثّفة بذلتها العديد من الدول الممثلة هنا اليوم – أمكن تأمين وقف إطلاق النار وإقراره من قبل هذا المجلس، بموجب القرار 2803.
الرهائن عادوا إلى ديارهم، وعائلات القتلى منهم بإمكانها أخيراً أن تدفن أحباءها.
ولدينا عزم دولي على تطبيق المرحلة 2 من خطة السلام.
لكن وقف إطلاق النار بحد ذاته يظل هشاً.
والتقدم الذي ننشده جميعاً في خطر.
شاهدنا انتهاكات وقف إطلاق النار من كلا الجانبيْن.
حماس واصلت اعتداءاتها على القوات الإسرائيلية.
وأكثر من 600 فلسطيني قُتلوا نتيجة هجمات إسرائيلية منذ بدء وقف إطلاق النار.
هذا مقلق للغاية، ويُقوّض المرحلة 1 من خطة الرئيس ترامب للسلام.
غزة لا ينبغي أن تجد نفسها عالقة في منطقة فاصلة بين السلام والحرب.
لذا، ولتنفيذ المرحلة 2، نرى أربع أولويات تتطلب اتخاذ إجراءات عاجلة.
أولاً، يجب أن نبدأ عملية جادّة لنزع سلاح حماس.
وتماشياً مع خطة العشرين نقطة، يجب على حماس تدمير بنيتها التحتية الإرهابية ومواقع إنتاج الأسلحة كخطوة أولى نحو نزع السلاح الكامل. ونحن على أتمّ الاستعداد للقيام بدورنا.
يجب ألّا يكون لحماس أي دور مستقبلي في إدارة غزة.
لأنّ ذلك أمر بالغ الأهمية لأمن الإسرائيليين والفلسطينيين على حدٍ سواء. وإلى جانب ذلك، نحتاج إلى تقوية إمكانات الشرطة الفلسطينية، ونشر القوة الدولية لتحقيق الاستقرار، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من القطاع.
ثانياً، نحتاج إلى بناء حوكمة فلسطينية مستقرة.
يجب دعم اللجنة الوطنية لإدارة غزة لكي تنجح.
فهذه اللجنة المحورية التي أُدرجت إلى جانب مجلس السلام في القرار 2803 بحاجة الآن إلى الدعم اللازم للاضطلاع بدورها في خدمة الشعب الفلسطيني، وقيادة تقديم الخدمات اليومية، وجهود التعافي، وترسيخ شرعيتها ومصداقيتها.
ذلك هو أفضل سبيل لإضعاف حماس وتجريدها من نفوذهم.
ويجب أن تكون هنالك خطة واضحة للروابط والانتقال من اللجنة إلى سلطة فلسطينية مُصلحة.
لأنّ فلسطين يجب أن يديرها الفلسطينيون.
ثالثاً، علينا منع زعزعة استقرار الضفة الغربية، والحفاظ على إمكانية قيام دولة فلسطينية.
لقد شهدنا الاقتصاد الفلسطيني يواجه حالة من الخنق، بما في ذلك حجب الحكومة الإسرائيلية جزءاً من عائدات الضرائب الخاصة بالسلطة الفلسطينية.
وإنّنا نشهد ارتفاعاً غير مسبوق في التوسع الاستيطاني الإسرائيلي وعنف المستوطنين، ما يُشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي.
حيث عائلات ومجتمعات فلسطينية دُفعت لمغادرة ديارها، وتعرضت للضرب أثناء الزراعة في أراضيها.
اعتداءات تزرع الرهبة في نفوس المدنيين.
هذا خطأ جسيم، وانتهاك صريح لقرارات هذا المجلس، كما أنّه يفضي إلى نتائج عكسية. فهو لا يؤدي سوى لزيادة انعدام الأمن لدى الشعبيْن الإسرائيلي والفلسطيني.
رابعاً، وهو الأهم بين كل ما سبق، كإجراء فوري، علينا معالجة الوضع الإنساني الكارثي في غزة.
عائلات، اضطرت للنزوح مراراً وتكراراً، تقضي هذا الشتاء باحثة بكل يأس عن مأوى في وسط الأنقاض.
بلا كهرباء. وبلا إمدادات من الماء والرعاية الصحية.
أطفال تجمّدوا حتى الموت، وتوفوا بانتظار الإجلاء الطبي.
هذا ينافي الضمير، والأهم من ذلك، يمكن تفاديه.
ولمعالجة هذه الاحتياجات الملحة، ساهمت المملكة المتحدة بأكثر من 100 مليون دولار للدعم الإنساني في غزة هذا العام.
ومنذ وقف إطلاق النار، ازدادت تدفقات المساعدات، وأُعيد فتح المزيد من المعابر جزئياً، ولكن لا يمكن تلبية مستوى الاحتياجات ما لم تُرفع المزيد من القيود التي تشمل المعدات الطبية الأساسية، ومكونات المستشفيات الميدانية، ومستلزمات الملاجئ الأساسية.
إذ إنّ التأخيرات والقيود تزهق الأرواح. كما أنّنا نخاطر بالتراجع بشكل خطير.
إنّ سياسة الحكومة الإسرائيلية المتمثلة في إلغاء تسجيل منظمات العمل الإنساني الدولية وإغلاق عملياتها في غزة - بما في ذلك منظمات بريطانية مثل منظمة إنقاذ الطفولة – تُهدد بقطع الإمدادات الأساسية عن الأشخاص الذين هم في أمس الحاجة إليها، وإغلاق المرافق الصحية الهشة، لذا نحن بحاجة إلى تغيير عاجل في هذا المسار.
لذا، أُهيب بالسلطات على أن تضمن، وبشكل عاجل، تمكين المنظمات ذات الخبرة الطويلة من مواصلة عملها، ويجب أن تظل الأمم المتحدة وشركاؤها في صميم الاستجابة في كامل أنحاء غزة، وذلك يشمل الحماية المناسبة لجميع موظفي ومقرات وعمليات الأونروا.
أيها الزملاء،
في سبتمبر الماضي، حضرتُ إلى الأمم المتحدة وأكّدتُ – إلى جانب الحلفاء – اعتراف المملكة المتحدة بدولة فلسطين.
هذه الخطوة التاريخية، بعد 75 عاماً من اعتراف بريطانيا بدولة إسرائيل، تعكس التزامنا بحل الدولتين، وبالحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، وبأمن إسرائيل.
وتحدثتُ حينها عن الخطر الجسيم الذي يواجه حل الدولتين، وعن ضرورة أن يتحد العالم ويتخذ إجراءات من أجل السلام.
هذا لا يزال صحيحاً حتى اليوم.
ومن هنا، بريطانيا تظل ثابتة في دعمها لأمن إسرائيل وشعبها.
لأنّ حل الدولتين يمكن أن يكون المفتاح لإحداث تحوّل في المنطقة: بالتطبيع، والتكامل الإقليمي، والتعايش السلمي.
لكن الأمن لا يمكن أن يتحقق باستمرار احتلال مهين لا نهاية له يحرم الشعب الفلسطيني من الأمن والسيادة.
بالتالي، رغم هذه الصدمات، ورغم المعاناة في السنوات الأخيرة، ما يزال يوجد أمل لمستقبل أفضل.
مثلما سمعنا اليوم من الشهادات المؤثرة التي أدلى بها ممثلو المجتمع المدني.
وفي مارس من هذا العام، ستعقد المملكة المتحدة مؤتمراً لبناء السلام يجمع قادة المجتمع المدني الإسرائيلي والفلسطيني لبناء الثقة ومعالجة الانقسامات، لأنّ السلام لا تبنيه الحكومات فقط، بل المجتمعات بأكملها.
وللمملكة المتحدة تجربتها الخاصة في بناء السلام في إيرلندا الشمالية، وهو صراع قال كثيرون إنّه لا يمكن حله أبداً، ومجتمعات قال كثيرون إنّها لن تتمكن من التعايش مطلقاً.
هناك أعضاء آخرون في هذا المجلس لديهم رؤى مماثلة أو أعمق. ونعلم أنّنا لا نستطيع محو آثار صدمات الماضي. لكن بإمكاننا رسم مسار مختلف للأجيال القادمة.
للمساعدة في تحقيق حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.
وللمساهمة في توفير الأمن طويل الأمد لإسرائيل.
ولضمان حل الدولتين باعتباره السبيل الوحيد لتحقيق السلام والأمن الدائميْن للفلسطينيين والإسرائيليين على حدٍ سواء.